يزيد بن محمد الأزدي
409
تاريخ الموصل
--> - وله بضعة عشر نفرا ذكرا كلهم عنده مثلي أو يتقدمني ، وهو يقول : اشدد يا ربيع ائت على نفسه ، والربيع يوهم أنه يريد تلفه وهو يراخى خناقه ، وموسى يصيح فلما رأى ذاك عيسى ، قال : والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الأمر يبلغ منك هذا كله ، فمر بالكف عنه ؛ فإني لم أكن لأرجع إلى أهلي وقد قتل بسبب هذا الأمر عبد من عبيدي ، فكيف بابنى ؟ ! فها أنا أشهدك أن نسائي طوالق ومماليكي أحرار ، وما أملك في سبيل الله تصرف ذلك فيمن رأيت يا أمير المؤمنين ، وهذه يدي بالبيعة للمهدى ، فأخذ بيعته له على ما أحب ، ثم قال : يا أبا موسى ، إنك قد قضيت حاجتي هذه كارها ، ولى حاجة أحب أن تقضيها طائعا فتغسل بها ما في نفسي من الحاجة الأولى قال : وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال : تجعل هذا الأمر من بعد المهدى لك ، قال : ما كنت لأدخل فيها بعد إذ خرجت منها ، فلم يدعه هو ومن حضره من أهل بيته حتى قال : يا أمير المؤمنين أنت أعلم ، فقال بعض أهل الكوفة - ومر عليه عيسى في موكبه - : هذا الذي كان غدا فصار بعد غد ، وهذه القصة فيما قيل منسوبة إلى آل عيسى أنهم يقولونها ، وأما الذي يحكى عن غيرهم في ذلك ، فهو أن المنصور أراد البيعة للمهدى فكلم الجند في ذلك فكانوا إذا رأوا عيسى راكبا أسمعوه ما كره فشكا ذلك إلى المنصور ، فقال للجند : لا تؤذوا ابن أخي ؛ فإنه جلدة بين عيني ، ولو كنت تقدمت إليكم لضربت أعناقكم ، فكانوا يكفون ثم يعودون فمكث بذلك زمانا ، ثم كتب إلى عيسى : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى عيسى بن موسى ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ؛ فالحمد الله ذي المن القديم والفضل العظيم والبلاء الحسن الجميل ، الذي ابتدأ الخلق بعلمه وأنفذ القضاء بأمره ، فلا يبلغ مخلوق كنه حقه ولا ينال في عظمته كنه ذكره ، يدبر ما أراد من الأمور بقدرته ويصدرها عن مشيئته لا قاضى فيها غيره ولا نفاذ لها إلا به ، يجريها على أذلالها لا يستأمر فيها وزيرا ولا يشاور فيها معينا ولا يلتبس عليه شيء أراده ، يمضى قضاؤه فيما أحب العباد وكرهوا لا يستطيعون منه امتناعا ولا عن أنفسهم دفاعا ، رب الأرض ومن عليها له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ، ثم إنك قد علمت الحال التي كنا عليها في ولاية الظلمة ، كيف كانت قوتنا وحيلتنا لما اجترأ عليه أهل بيت اللعنة فيما أحببنا وكرهنا ، فصبرنا أنفسنا على ما دعونا إليه من تسليم الأمور إلى من أسندوها إليه ، واجتمع رأيهم عليه نسام الخسف ونوطأ بالعسف لا ندفع ظلما ولا نمنع ضيما ولا نعطى حقا ولا ننكر منكرا ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعا ، حتى إذا بلغ الكتاب أجله وانتهى الأمر إلى مدته ، وأذن الله في هلاك عدوه ، وارتاح بالرحمة لأهل بيت نبيه صلى اللّه عليه وسلم فابتعث الله لهم أنصارا يطلبون بثأرهم ويجاهدون عدوهم ويدعون إلى حبهم وينصرون دولتهم من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة وأهواء مؤتلفة ، فجمعهم الله على طاعتنا وألف بين قلوبهم بمودتنا على نصرتنا وأعزهم بنصرنا ، لم نلق منهم رجلا ولم نشهر معهم إلا ما قذف الله في قلوبهم حتى ابتعثهم لنا من بلادهم ببصائر نافذة وطاعة خالصة ، يلقون الظفر ويعودون بالنصر وينصرون بالرعب لا يلقون أحدا إلا هزموه ولا واترا إلا قتلوه ، حتى بلغ الله بنا بذلك أقصى مدانا وغاية منانا ومنتهى آمالنا وإظهار حقنا وإهلاك عدونا ؛ كرامة من الله - جل وعز - لنا وفضلا منه علينا بغير حول منا ولا قوة ، ثم لم نزل من ذلك في نعمة الله وفضله منه علينا حتى نشأ هذا الغلام فقذف الله له في قلوب أنصار الدين الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه لنا أول أمرنا ، وأشرب قلوبهم مودته وقسم في صدورهم محبته ، فصاروا لا يذكرون إلا فضله ولا ينوهون إلا باسمه ولا يعرفون إلا حقه ، فلما رأى أمير المؤمنين ما قذف الله في قلوبهم من مودته ، وأجرى على ألسنتهم من ذكره ، ومعرفتهم إياه بعلاماته واسمه ، ودعاء العامة إلى طاعته -